الخميس 23 مايو 2019 م - 18 رمضان 1440 هـ

"ورد مسموم" .. عبور الحدود الفاصلة لعوالمنا

الإثنين 10/ديسمبر/2018 - 10:27 ص
The Pulpit Rock
أروى تاج الدين
 

يمكننا أن نرصد مؤخراً اتجاها مغايراً في السينما المصرية يمضي على استحياء نحو استكشاف الكائنين على هامش الحياة في مصر اليوم وحياتهم وأزماتهم الاجتماعية والنفسية ومعارك الحياة التي يخوضوها في صمت، والتي تطحن عظامهم تحت رحاها دون أن يشعر بهم أحد أو تشعر الحياة بوجودهم، كما يعيد اكتشاف مشاعر هؤلاء تجاه أنفسهم وتجاه العالم، مستخدماً لغة بصرية شاعرية تنفذ إلى القلب وتمتزج بالمشاعر. من هذه الأفلام أخضر يابس ويوم الدين وورد مسموم.

ورد مسموم هو أحد هذه الأفلام التي تعبر بنا الخطوط الفاصلة لحدود بيئتنا المحيطة المحدودة إلى أماكن يمكننا أن نسمع عنها لكن لا يصل خيالنا إلى تصور شكلها أو شكل القاطنين بها وشكل حياتهم وما يشعرون به تجاه هذه الحياة وتجاه العالم. كما يختبر فكرة وتجربة شعورية جديدة لم تذهب إليها السينما المصرية من قبل، وهذا ما جعله ينال جائزة مسابقة آفاق السينما العربية وجائزة أفضل فيلم عربي من مهرجان القاهرة السينمائي.

هذا الفيلم هو التجربة الروائية الطويلة الأولى لمخرجه ومؤلفه أحمد فوزي صالح اقتباساً عن رواية ورود مسمومة لصقر للكاتب أحمد زغلول الشيطي، والذي تدور أحداثه في منطقة المدابغ بالقاهرة، وهي نفس المنطقة التي صنع عنها المخرج فيلماً تسجيلياً بعنوان جلد حي عام 2011، رصد من خلاله الحياة الصعبة التي يعيشها أهل هذه المنطقة وكفاحهم من أجل لقمة العيش.

تحية، بطلة هذا الفيلم وحلقة الوصل بين عوالمه وشخوصه التي هي جزء منه، فتاة شابة في مقتبل العمر تعيش مع أمها وأخيها صقر في منطقة المدابغ التي يعملان بها أعمال موسمية متنقلة غير ثابتة، بينما اختارت هي العمل خارج هذا العالم لتضمن لنفسها ولبيتهم استقرار الدخل، فتعمل عاملة نظافة في دورة مياة في أحد الفنادق أو المولات.

 تكن تحية لصقر مشاعر قوية تجعلها تلاحقه وتحاول إحكام السيطرة عليه، وهو مدرك لهذه المشاعر لكنه يحاول أن يتجاهلها ويختلق الفرص ليفر من حصارها، بينما تراقب الأم هذا الصراع المشتعل الصامت في صمت أيضاً دون إبداء أي رد فعل وكأن الأمر لا يعنيها.  تتفجر أزم تحية وتبدأ في الشعور بالخطر حينما يتعرف صقر على فتاة جديدة ويسعى إلى السفر إلى إيطاليا.

تربط تحية بين سكان هذا المكان الذي يعملون به أيضاً، كما تربط بين أحلام الرجال ورغبات نساء هذه الفئة، فنتنقل بين أحلامهم ومعاناتهم من خلال رحلاتها بين طرقات الحي البالغة الضيق في تتبعها المحموم لصقر وعملها بين عاملات المراحيض التي تعمل بينهم خارج هذا الحي. فتتبعها الكاميرا من خلفها عن قرب وهي تسير بين الأزقة التي تبدو مثل متاهات لا تنتهي  تغزوها مياه الصرف المحملة بالسموم، لنستكشف من خلالها البيوت القديمة المتهالكة المتلاصقة في حميمية بالغة وورش الدباغة المتداخلة مع هذه البيوت في هذه المتاهات وكأن ساكني هذا الحي قد كتب عليهم أن يظلوا عالقين في هذا المكان يدورون في فلكه ليل نهار لا يمكنهم الفرار من قدره أبداً.

ومن خلال تتبعنا لتحية نعايش معاناة العاملين بهذه المدابغ وكفاحهم إلى حد الأعياء والإغماء، وأحلامهم وسعيهم نحو السفر إلى إيطاليا عن طريق الهجرة غير الشرعية عبر البحر هرباً من ضيق الحال في هذا المكان.  بينما تستعرض الكاميرا في لقطات قريبة (كلوز اب) متابعتها السلبية لأحاديث العاملات حول مشاكلهم الجنسية مع أزواجهم وسعيهم الدؤوب بين العمل وتربية الأبناء وتلبية حاجات الزوج دون أن يشعر بحاجاتهن أحد، ومراقبتها لرواد الحمام من الفتيات المتأنقات اللائي قد يشعرون بوجودها أو لا يشعرون، وكأنها وزميلاتها كائنات غير مرئية.

يخلق المخرج حالة من الحيرة والتشوش والغموض في السرد، ربما كانت مقصودة في البداية لشد الانتباه والتركيز في تتبع الحكاية وأيضاً لطبيعة المشاعر الملتبسة التي يستكشفها الفيلم، لكن التمادي بها أصاب السيناريو بحالة من الارتباك وأصبحت هناك أشياء لا يوجد لها تبرير درامي ولا نفهم أسباب وجودها في الأحداث، فلا ندرك في البداية كنه العلاقة التي تربط تحية بصقر حينما نرى ردة فعلها تجاه اهتمام صقر بيدها التي جرحت أثناء إعدادها طعامه، ومبادرته لرفع الألواح الثقيلة بدلاً منها، فنظن في البداية إنه زوج أوحبيب أو على الأقل جار تكن له إعجاباً، ثم نراه يسكن معها في ذات الدار فنظن إنه ابن عم أو ابن خالة يشاركها نفس المسكن، ولا تتكشف حقيقة علاقة الإخوة بينهما إلا في منتصف الفيلم تقريباً، وهو الأمر الذي يجعل المشاهد يستغرق طويلاً في البحث عن إجابة سؤال من هؤلاء بدلاً من التركيز على الصراع المستتر بين تحية وصقر.

ثم نرى تحية وهي تجمع الزهور الحمراء من المقابر وتقوم بفرط أوراقها داخل إناء مخبأ في مكان ما، ثم نرى هذا الإناء في يد الدجال ينثر زهوره في مصرف مياه المدابغ، وحتى نهاية الفيلم لا نجد تفسيراً لهذه الزهور وسبب جمعها وإلقائها في المياة الجاري.

اعتمد المخرج على اللقطات القريبة في مراقبة انفعالات تحية ومشاعرها المتقلبة من السعادة لاهتمام صقر بها إلى حزنها وغضبها المكتوم وإصرارها على استعادته مرة أخرى، والتي وفقت إلى حد كبير الممثلة الشابة مريهان مجدي في إظهارها، بينما أسهب في في تتبعها بالكاميرا في سعيها بين طرقات الحي، وفي استعراض تفاصيل مراحل دباغة الجلود وطريقة تعامل العمال معها إلى حد الفائض عن الحاجة ما يسمح بتسرب مشاعر الملل إلى المشاهدين. كما ساهمت الإضاءة الغائمة سواء في التصوير الداخلي أو الخارجي واختيار ألوان باهتة  لملابس الشخصيات أو حتى المستخدمة في عملية الدباغة في تأكيد الشعور بعدم وجود حياة في هذا المكان والطبيعة الصراع المتسعر غير المعلن بين أبطاله.

رغم مشكلات الفيلم التقنية البسيطة إلا أنها لا تنتقص من ريادته في اختيار فكرة أصيلة لم يفض بكارتها أحد قبله، والتي استطاع أن يعبر عنها المخرج بلغة بصرية مثيرة للانتباه وتستحق التقدير وتعطي جواز المرور إلى رحب السينما الخالصة لمخرج قد يساهم في إنعاش السينما المصرية بروح جديدة.

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية