الأربعاء 23 مايو 2018 م - 08 رمضان 1439 هـ

الوثائقي A Woman Captured معايشة عن قرب لأحد ضحايا العبودية الحديثة

الأحد 29/أبريل/2018 - 12:45 م
The Pulpit Rock
أروى تاج الدين
 

وجهة النظر التي يختارها المخرج في تصوير فيلمه هي الطريقة التي يحدد بها لنا نحن المشاهدين موقعنا من موضوعه وشخصياته، هل نحن مراقبين فقط لما يحدث على الشاشة أم نحن مشاركين أو متورطين بشكل ما معه. وقد أختارت لنا بنديت توزا ريتر مخرجة فيلم A woman Captured أن نكون متفاعلين مع بطلتها (ماريش) ومشاركين لها في حياتها في هذا البيت وفي فرارها منه وأن تنشأ بيننا وبينها حالة حميمية مثلما نشأت بينها هي المخرجة وبين بطلتها.

ربما لا يخطر على بال أحد أن العبودية لازالت موجودة في العالم بشكلها التاريخي القديم أو أسوأ، وربما تكون مفاجأة لنا أيضاً أن تكون موجودة في أوروبا التي نضرب بها المثل في التقدم والرقي، لكن تؤكد لنا المخرجة المجرية بالأرقام التي أوردتها في فيلمها ضخامة وجودها في العالم أجمع وفي أوروبا بالتحديد، رغم كل مواثيق حقوق الإنسان والقوانين التي تصون حرية الفرد وتحميه من الاستغلال في دساتير دول العالم.

فيلم A Woman Captured  أو السجينة، والذي فاز مؤخراً بجائزة النقاد من مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي، برغم أنه وثائقي عن أحد ضحايا هذه العبودية الحديثة، لكنه يتخطاها أيضاً إلى الوحشية البشرية واستغلال القوي صاحب السلطة والمال للضعيف الذي فقد كل شيء وإذلاله وإساءة معاملته دون شفقة أو رحمة، متباهياً بالفتات القليل الذي يمنحه له ليسد به رمقه مقابلاً لاستنزافه. هكذا يتعامل البشر معاً، والدول الكبرى في مواجهة النامية الضعيفة، والأنظمة المستبدة في مواجهة المواطنين، الغني في مواجهة الفقير قليل الحيلة. كما يثير التساؤل حول فاعلية القوانين التي تكفل الاستقلالية وتصون الحريات، والسبب الحقيقي وراء صمت الأنظمة في مواجهة الاستعباد التي يتعرض له شريحة لا يستهان بها من مواطنيها.

تشير المخرجة في بداية فيلمها الذي قامت بتصويره بنفسها، والتي تعد بطلته الثانية، أنها لم تكن تدرك وجود هذه العبودية إلا بعدما دخلت بيت هذه المرأة (أيتا) التي تباهت أمامها بوجود عدد كبير من الخدم في منزلها، وأرادت المخرجة أن تصور معهم لا أكثر. ومن هنا وقع اختيارها على بطلتها (ماريش)، الذي سندرك لاحقاً أنه ليس أسمها الحقيقي، ولكنه الأسم الذي منحتها أياه (أيتا)، دون أن تذكر لنا أسباب الاختيار، أو ما الذي جذبها إلى هذه المرأة تحديداً، أو كيف أقنعت (أيتا) بالتصوير معها داخل البيت مدة 89 يوماً، وهي فترة طويلة يمكنها أن تثير شك صاحبة البيت، حتى وإن كانت قد تقاضت مالاً مقابل ذلك. فقد تضمنت فترة التصوير الكثير من الأحاديث الجانبية بعيداً عن نظر صاحبة البيت، باحت خلالها ماريش بما تتعرض له من ضرب وتعذيب، كما فضحت الكاميرا وشريط الصوت إساءة المعاملة والاستغلال والابتزاز الذي تتعرض له في هذا البيت.  

تتبع المخرجة بكاميرتها الخاصة (ماريش) في أرجاء المنزل أثناء التنظيف وتحضير الطعام، وانتظارها حتى تفرغ العائلة من طعامها  لتتناولها فتات المائدة، الطعام الوحيد المتاح لها في هذا المنزل. ولكن ما يجعلنا حقاً أكثر قرباً وتماهياً مع البطلة ذات الـ 52 عاماً - على الرغم من أن تجاعيد وجهها وتغضن جلدها يوحي بأكثر من ذلك بـ 20 عاماً-  هو اختيار المخرجة كثيراً للقطات الكلوز أب لوجهها وعينيها وحركة يديها الدؤبة أثناء العمل أو لف السجائر التي تدخنها بشراهة، وهي تجيب بردود مقتضبة على الأسئلة التي توجهها لها المخرجة حول عملها في هذا البيت، وعدم تلقيها أموال مقابل ذلك، واستيلاء صاحبة البيت على نقودها من عملها بأحد المصانع. وأيضاً أثناء تلقيها الأوامر أو تعرضها للتعنيف، وأثناء صمتها الحزين المنكسر بعد تعرضها للضرب المبرح.

استطعات هذه اللقطات القريبة الكثيرة أن تجعلنا نعيش مع (ماريش) آلامها ومشاعرها المنكسرة المحطمة وتألمها من القسوة البالغة التي تتعرض لها، ومع ذلك فهي لا تحاول أن تظهر هذا الألم أمام الكاميرا، أو تبالغ في ردة فعلها. أيضاً تتبعها بلقطات قريبة من ظهرها أو من جانبها وكأننا نسير بجوارها في الشارع أثناء ذهابها إلى العمل في المصنع أو أثناء فرارها من هذا البيت يعمق الشعور بأننا نشاركها السير في الشارع أو متورطون معها في عملية الهرب المخيفة ليلاً والتي رافقتها فيها المخرجة بكاميراتها المهتزة من أثر العدو والإسراع في الابتعاد عن المكان.

على الجانب الآخر، في المشاهد القليلة التي أجرت فيها المخرجة حواراً مع (أيتا) صاحبة البيت، لم تقم بتصويرها من وجهها، بناء على طلب هذه السيدة في بداية الفيلم، ومع ذلك لقطات الكلوز أب لأصابع المرأة الغليظة البشعة وهي تتناول طعامها أو تطعم كلبها وهي تتحدث عن خدمها باستهانة، أو وهي تداعب كلبها الصغير برقة بينما تقوم بتعنيف (ماريش)، ساهمت في حث الخيال على رسم صورة بشعة منفرة لهذه المرأة، واستنكار سلوكها تجاه خدمها بشكل عام وماريش بشكل خاص، وقد عزز هذا الشعور لقطات رد الفعل التي من خلالها سجلت المخرجة بكاميراتها  مشاعر الحيرة والحزن على وجه ماريش بينما نسمع صوت المرأة الغاضب وهي تصيح في وجهها دون أن نراها.

تقول المخرجة في لقاء لها في أحد الصحف العالمية أن ظروف التصوير الصعبة والرقابة التي كانت تفرضها عليها صاحبة البيت هو ما جعلها لا تستعين بمصور وأن تقوم بالتصوير بنفسها. ومع ذلك ساهمت هذه الظروف الصعبة في نشوء حالة من الصداقة والحميمية بين المخرجة وماريش، ربما ما كانت لتتحق إذا كان هناك فريق تصوير، حتى وإن كان شخص واحد إضافي.  لولاها ما استطاعت ماريش أن تثق بها وتبوح لها بأسرارها ومشاعرها.

ساهمت هذه الثقة والبوح في تطور موقف ماريش إزاء ما تتعرض له من استغلال وتعذيب وانتقالها من حالة قبول الأمر الواقع إلى التمرد عليه ورسم خطة للفرار منه،  كما ساهم أيضاً في تطور العلاقة بين المخرجة وماريش ومرافقتها لها في رحلة الفرار المرعبة من هذا البيت.  

تقول (ماريش) للمخرجة في أحد المشاهد أنها سعيدة للتصوير معها "فربما حينما يعرض يدرك القليل من الناس أن الجميع يستحقون الاحترام حتى الذين فقدوا كل شيء". وقد نجحت المخرجة في توصيل هذا المفهوم من خلال درجة القرب من البطلة وآلامها التي إختارتها لنا المخرجة، والتي جعلتنا نتوحد مع ماريش ونشاركها حزنها وسعادتها بحياتها الجديدة بعد الفرار.  

 

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية