الخميس 23 نوفمبر 2017 م - 05 ربيع الأول 1439 هـ

عمر الشريف...إسم يأبى الرحيل

السبت 15/يوليه/2017 - 10:14 ص
The Pulpit Rock
رشا حسني
 

دون بحث أو استقصاء يتطلب الكثير من المجهود عن أبرز الفنانين المصريين أو حتى على مستوى العالم العربي الذين شغلوا حيزاً هاماً ومؤثراً في السينما خارج نطاقاتنا المحلية المصرية والعربية أي السينما العالمية، تنطلق إلى الأذهان صورة النجم المصري العالمي "عمر الشريف (10 أبريل 1932 – 10 يوليو 2015)" حتى قبل اسمه، حيث أن ظهوره الأول في السينما العالمية يظل إلى الآن من أبرز وأهم  المرات التي يظهر فيها نجم من خلال فيلم سينمائي فيما وصف كثير من النقاد العالميين بأن ظهور عمر الشريف في فيلم "لورانس العرب" هو الظهور الأهم لممثل في تاريخ السينما على الإطلاق، الفيلم الذي تم اختياره مرتين من معهد الفيلم الأمريكي كواحد من أهم عشرة أفلام في تاريخ السينما على الإطلاق.

يبدأ ظهور الشريف في أولى مشاهد ظهور شخصيته في الفيلم كنقطة سوداء من قلب الصحراء على ظهر جمل ثم يتضح شيئاً فشيئاً مع اقترابه لتحمل الثواني والدقائق التي تمهد لظهوره الكثير من التوتر للمشهد يزيد من هذا التوتر ملابسه السوداء وطريقة سيره ثم اختفاء أغلب ملامح وجهه في البداية حيث كان مُلثما بشال أسود، وكأن المخرج العالمي ديفيد لين قد أراد لهذه الشخصية ومن يؤديها الخلود من خلال ذلك الظهور المُلفت والنادر إلى حد أنه ربما لم يتكرر مرة أخرى ليكون ذلك الظهور بمثابة اللبنة الأولى في خلود أسطورة عمر الشريف الفنان والإنسان الذي لن يتكرر.

يُقر الشريف منذ بدايته بتمتعه بالحظ والمصادفات التي سهلت له الكثير في مشاوره الفني سواء أثناء عمله في السينما المصرية أو عند انتقاله للعمل في السينما العالمية، الحظ الذي رتب له مقابلة بالصدفة مع زميل دراسته القديم يوسف شاهين الذي كان يسبق الشريف في الدراسة بعدة أعوام في نفس المدرسة "فيكتوريا" بعد أن علم بالصدفة عن رغبته في التمثيل وباستعداده للسفر إلى انجلترا لدراسة فن التمثيل هناك، فيعرض شاهين على الشريف فرصة التمثيل أمام النجمة الأشهر والألمع في ذلك الوقت "فاتن حمامة" من خلال فيلم "صراع في الوادي" وبالفعل يقبل عمر لُسجل الشريف من خلاله أولى بطولاته السينمائية في مشواره بالسينما المصرية والعالمية.

كما يلعب الحظ في مسيرة الشريف الدور الأهم عند تصدي المخرج البريطاني "ديفيد لين" إلى إخراج فيلم لورانس العرب عام 1962 ورغبته في الاستعانة بممثل عربي ذو ملامح شرقية كي يُسند له أحد أدوار البطولة في الفيلم وهو دور "الشريف علي"، فيطلب من مساعديه صور لممثلين من معظم البلدان العربية كي يختار من بينها الشكل الذي يوافق تخيله، ومن بين أكثر من مائتي صورة لممثلين عرب، يختار لين صورة الشريف ويكلف أحد مساعديه بأن يذهب إلى مصر وفي حال إجادة عمر للغة الإنجليزية أن يحضره فوراً لأنه سيكون الاختيار الأنسب لدور الشريف علي، وبالفعل يذهب عمر لأداء الدور ويُبهر ليس فقط المخرج ديفيد لين بموهبته وأدائه ولكن يُبهر الوسط والسوق السينمائي والنقدي الأمريكي إلى الحد الذي دفع أعضاء أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة "OSCAR" أن يرشحوا الشريف لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل في دور ثانوي لينال الشريف ترشيحاً لواحدة من أشهر الجوائز السينمائية على مستوى العالم وذلك عن أول أدواره في السينما العالمية وقد كان قاب قوسين أو أدني من أن ينالها، في حين فاز بجائزة الجولدن جلب في نفس العالم وعن نفس الدور.

وإن كان الحظ قد خدم الشريف في بداياته المصرية العالمية إلا أن عمر لم يرتكن على هذا الحظ وفقط ولو فعل لما وصل إلى بِضع ما وصل له من شهرة وعالمية وتميز، ولكنه دأب على تكملة خطواته في المجال الذي أحبه بالاجتهاد والتركيز والرغبة في التنوع بين الأدوار التي يقوم بأدائها بالإضافة إلى التحضير الجيد لكل دور يقوم به، فبالنظر إلى مسيرة عمر بداية من أفلامه في مصر نلاحظ هذا الاجتهاد جلياً من خلال تنوع أدواره حتى مع تكرار نفس الدور فنجد أن الطالب في أيامنا الحلوة يختلف كلياً وجزئياً عن طالب إحنا التلامذة كما يختلف ضابط بداية ونهاية عن ضابط نهر الحب وثري لا أنام يختلف تماماً عن ثري كلاً من موعد مع المجهول وسيدة القصر وغرام الأسياد، لذلك فلازالت أرى أنه من الإجحاف الشديد أن يظل اسم ممثل في حجم موهبة عمر الشريف واجتهاده يقترن فقط بألقاب من نوعية الممثل الوسيم، الدونجوان، فالنتينو، المعجباني، الخواجة وأراها لا تعطيه حقه فعلياً كما أرى أن تاريخه سواء في السينما المصرية أو العالمية ما يزال يحتاج الكثير من البحث والتدقيق، في حين وصفه الناقد الكبير سامي السلاموني في مقاله عن فيلم صراع في النيل قائلاً "عمر الشريف الذي بدأ فتى جميلاً شرقي السمات ثم تحول تدريجياً إلي ممثل حقيقي بارع.. في هذا الفيلم يدهشنا "عمر الشريف" الخواجة كما كانوا يقولون وخريج فيكتوريا حين يقنعنا تماما بأنه "محسب" الشاب الصعيدي البرئ شكلاً وأداء مما يؤكد أنه كان ممثلاً مصرياً كبيراً حقا قبل أن يصبح عالمياً".

كان ظهور "عمر الشريف "علي شاشة السينما للمرة الأولي بمثابة الثورة علي الشكل التقليدي لفتي الشاشة الأول، ذلك الشكل التحفظي الجامد الرتيب والذي عبر عنه ومثله لفترة طويلة أبطال  أمثال حسين صدقي، محسن سرحان، أنور وجدي وعماد حمدي، فشكل "عمر" وأبناء جيله: عبد الحليم حافظ يشدو من ألحان كمال الطويل ومحمد الموجي ومنير مراد علي مستوي الغناء وأحمد رمزي ممثلاً ويوسف شاهين مخرجاً شكلاً جديداً لشباب تلك الفترة بالتزامن مع قيام ثورة يوليو 1952 وما حملته من آمال للمصريين وخاصة الشباب بالتحرر والتحقق والنجاح، فكانت بمثابة الحجر الذي حرك المياه الراكدة لعقود طويلة، كما مثًل فيلم صراع في الوادي صرخة في وجه الإقطاع والطبقية وانتصر للفلاحين وللعلم الذي مثله ظهور "أحمد " الشاب الصعيدي المتعلم والذي جعل محصول القصب الخاص بالفلاحين "درجة أولي" في حين جاء محصول قصب الباشا "درجة ثانية"، في حين انتصر للحب وجعله وسيلة اندماج المجتمع المصري في شكله الجديد الذي بدأ يتبلور في تلك الفترة حيث أحبت بنت الباشا "آمال" "أحمد" ابن الموظف والفلاح البسيط.

وكما تمرد الشريف على صعيد التقنية التمثيلية، فقد تمرد أيضاً على الصورة الزائفة التي حرص ولما يزال يحرص أغلب الفنانين على تصديرها للناس بأنهم لا يخطئون ومثاليون إلى درجة مبالغ فيها إلى الحد الذي جعله يعترف بإنجابه لولد غير شرعي من صحفية إيطالية نتيجة لعلاقة عابرة خارج إطار الزواج، كما كان يعترف وبكل أريحية بأنه قدم أدوار كثيرة فقط من أجل المال، فكان يتمتع عمر ببساطة وتلقائية وصراحة نادراً ما تجدهم في شخص بسيط وليس نجم ملئ السمع والبصر في حجم شهرة ومكانة عمر الشريف لذلك ظلت الناس وجمهوره من المصريين البسطاء يحبونه ويقدرونه ويضربون به المثل في أي موقف يريد فيه شخص أن يحتل مكانة هو أقل من أن يصل إليها فيُقال "ليه أنت فاكر نفسك عمر الشريف" في إشارة تأكيدية بسيطة وتلقائية على المكانة التي يحتلها عمر الشريف في الوعي الجمعي المصري والتي تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل كواحدة من البديهيات المُسلم بها في ثقافتنا المصرية وتاريخنا السينمائي على امتداده.

ويبقى التأكيد على أن عمر الشريف من ضمن أهم وأكثر الفنانين تأثيراً في السينما المصرية والعربية، له مكانة قلما -أو لنكن أكثر دقة- نادراً ما اقترب منها أحد، فهو كما يُقال في الأمثال المصرية الدارجة "يُضرب به المثل" كنوع من التدليل علي تفرده وتميزه، تلك المكانة التي دعت أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة "الأوسكار - OSCAR" في حفلها 88 والذي أُقيم في فبراير 2016 أن تضعه في مصاف النجوم الذين أحدث رحيلهم فقداً مؤثراً لعالم السينما نظراً لثراء مشوارهم السينمائي ولبصمتهم الواضحة، ليقف له جموع الفنانين والمبدعين محيين صورته وذكراه وتاريخه الإبداعي الحافل.

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية