الجمعة 30 أكتوبر 2020 م - 13 ربيع الأول 1442 هـ

نحن جميعاً محاصرون في "اشتباك"

الأربعاء 10/أغسطس/2016 - 09:46 ص
The Pulpit Rock
أروى تاج الدين
 

نادرة هي الأفلام المصرية التي حاولت إشراك المشاهدين في الحدث الدائر على الشاشة، وربما أقتصر الأمر على عدة مشاهد داخل الفيلم، لكن أن تكون كمشاهد فرداً فاعلاً فيه من بدايته وحتى نهايته أغلب الظن أنها لم تحدث في السينما المصرية من قبل.

هذا ما فعله بنا المخرج والسينارست محمد دياب في فيلم اشتباك الذي عرض بمهرجان كان الفرنسي بدورته الماضية ونال استحسان النقاد، وأثار الجدل بين مؤيد له ومعارض حتى دون مشاهدته.

يستوحي الفيلم فكرته من حادث سيارة الترحيلات التي راح ضحيتها 37 سجيناَ مختنقين من الغاز المسيل للدموع فضلاً عن حرارة الجو. يبدأ الفيلم بلقطات لصحفي مصري ومصور يعملان لحساب وكالة أخبار أجنبية، يقومون بتغطية أحداث المظاهرات التي أعقبت عزل مرسي من الحكم، وتقوم قوات الأمن المركزي بالقبض عليهم والزج بهم في سيارة الترحيلات وننضم نحن إليهم داخل صندوق السيارة لنكون نواة المجموعة التي تستمر رحلتها حتى منتهاها ونهاية الفيلم.

الفيلم ليس تأريخاً لحادث سيارة الترحيلات، ولكن استخدمها دياب رمزاً للتعبير عن  البلد بمختلف فئاتها، ووجهة نظر كل فئة تجاه الآخرين، فضمت السيارة الصحفيين (هاني عادل ومحمد السباعي)، والبلطجي (خالد كمال)، والعاطلين (أحمد مالك وحسني شتا)، وأسرة مصرية عادية ممن بدءوا نزولهم في المظاهرات منذ ثورة 25 يناير ( نيللي كريم وطارق عبد العزيز وأحمد داش)، والرجل الذي ليس له في الطور أو الطحين إنما نزل ليبحث عن إبنه في المظاهرات (جميل برسوم) ثم ينضم إليهم أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومشيعيهم، ونحن، المشاهدون لما يحدث دون أن نتفاعل معه.  

الجميع يناصبون بعضهم البعض العداء، إلا المصور والمراسل الصحفي الذي حتى في أحلك اللحظات كان يحاول تسجيل ما يحدث حتى يستطيع نشر الحقيقة دون تزييف، ومع ذلك كانت جميع الفئات الأخرى ترى فيه الجاسوس العميل. الجميع يقذفون بالتهم على الجميع والجميع يخونون الجميع، ولكنهم ليسوا أعداء طوال الوقت ففي بعض الأحيان كانوا يقدمون يد العون لبعضهم ويتبادلون الخبرات، مثلما تبرع تامر (محمد جمال) أحد أفراد الجماعة ليعرف الرجل مريض السكر كيف يستخدم الزجاجة في قضاء حاجته، وحينما توقفت السيارة وعز الهواء نظموا أنفسهم ليطوفوا في السيارة حتى يأخذ كل واحد منهم نصيبه من تنشق الهواء من شبابيك السيارة الضيقة.

لم يحاول الفيلم أيضاً مهاجمة الشرطة كما أدعى البعض ولكنه حاول بشكل أو بآخر أن يكون موضوعياً فأظهرهم إما متعاطفين أو مضطرين إلى تنفيذ الأوامر أو مضطربين بسبب الرصاص المنهال عليهم من فوق أسطح المباني، ورغم ذلك لم ينسى أن يضم إلى السيارة أيضاً أحد المجندين الذي تعاطف مع الفتاة الصغيرة التي أرادت قضاء حاجتها ولم يسمحوا لها بالنزول.

استخدام الكاميرا المحمولة، التي تمثلنا نحن المحاصرون أيضاً، وحبسها طوال الفيلم في صندوق السيارة مع الأبطال جعلنا قريبين جداً من الشخصيات وما يشعرون به داخل هذا المكان المغلق الخانق ومراقبين عن كثب لتطور مشاعرهم تجاه بعضهم،  وعزز الإحساس بأننا جميعاً محاصرون نتشارك جميعاً في الخوف من المصير المجهول لهذه السيارة التي أخذت تجوب المدينة من أقصاها إلى أقصاه بين مظاهرات مؤيدة ومعارضة وتحت قصف النار والحجارة. 

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية