الجمعة 30 أكتوبر 2020 م - 13 ربيع الأول 1442 هـ

كيارستومي نبع السنيما العذب

الأحد 10/يوليه/2016 - 10:49 ص
The Pulpit Rock
هدى عمران
 

عندما أرى فيلمًا لعباس كيارستومي أتذكر دائمًا مطلع  قصيدة للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد تقول فيها " ربما تعني الحياة شارعا ممتدا تعبره كل صباح ودونما انقطاع  امرأةٌ ما تحمل خبزها وبيتها في سلة ... " . فرخزاد وكيارستومي  ينتميان لنفس هذه المدرسة الشاعرية في السنيما  التي بدأت في سبعينات إيران  والتي اهتمت بالانسان وتفصيلاته الصغيرة وليس الموضوعات الكبيرة، لكن كيارستومي تجاوزها بخلق أسلوب يتجاوز أي أسلوب أو تقليد متعارف عليه في تاريخ السنيما ككل .

ففي فلسفته عن السنيما يقول  كيارستومي إن الحياة تعرض مضمونها برداءة، وإذا كانت السينما صورة من الواقع فهي لا يجب أن تحتوي على الإبهار البصري،وأنه يفضل أن يكون صاحب مضمون دون أن يهتم بالشكل الذي سيعرض فيه هذا المضمون ، هذه الفلسفة جعلت منه فنانا حُرًا يخلق طوال الوقت بقلب لاعب مرتجل لا يهتم بآراء النقاد أو بحصد الجوائز ،هذا ما جعل أفلامه عبارة عن قصائد من الشِعر العذب لا تسعى الى طرح أي  أسئلة كبيرة تخص النخبة فأسئلته دوما عن الحياة بشكل يجعله يوغل في البساطة ويتعمق فيها لأكتشف انا كمشاهد أن هذه هي الحياة  بعينها متجسدة على الشاشة .

منذ أيام قليلة وبعد عيد ميلاده الخامس والسبعين بأيام رحل كيارستومي عن دنيانا أو سافر كما كان يقول في قصائده " أنوي السفر مع رفيق جديد ،في طريق لم أسلكه من قبل " مخلفًا وراءه ثروة من الأفلام التي أخرجها بلغت ال 44 الى جانب كتابة 46 فيلم له ولمخرجين آخرين رغم أنه يعترف أنه لا يكتب الأفلام بالشكل المتعارف عليه في قالب السيناريو لكن كما يقول أنه لا يمتلك سيناريوهات كاملة للأفلام، فهو يضع  مخطط عام وفكرة عن  الشخصية في ذهنه ثم يبدأ في رحلة البحث عن هذه الشخصية في الواقع ومعايشتها ومن ثم خلق الشخصية في ذهنه ثم تجسيدها داخل الفيلم ، ويقول عن ذلك كيارستومي "ان أفلامي أقرب كثيرا للشخص الحقيقي من أي شيء أحاول خلقه، أنا أعطي لهم شيئا لكني أيضا آخذ منهم"" .

 حتى سيناريو فيلم البالون الأبيض الذي كتبه للمخرج الإيراني جعفر بناهي ،لم يكتبه بالشكل التقليدي بل من خلال محاورات طويلة داخل سيارته سجلها بناهي في مسجل وفرغها بعد ذلك ليحصد عليها جائزة الكاميرا الذهبية من مهرجان كان كأفضل فيلم روائي أول .

بدأ كيارستومي حياته المهنية كمصمم أغلفة للكتب والبوسترات والإعلانات لكنه عام 1970 قرر التحول الى الاخراج السنيمائي وأسس قسم للإنتاج السنيمائي في مؤسسة "التطوير الفكري للأطفال " وأخرج أول أفلامه الطويلة " خبز وزقاق"، وأخرج من خلال هذه المؤسسة أيضًا تحفته الرقيقة " أين منزل صديقي ؟" 1979 الفيلم الذي أخذ عنوانه من قصيدة يحكي عن طفل صغير يحاول ايصال دفتر لصديقه في الصف حتى لا يتعرض للعقاب في رحلة ناعمة يعرض فيها الطفل نفسه للخطر الذي يظهر له متجسدا في كلب شارع .

بعدها كان فيلم كلوز آب" 1990 الذي لفت الانتباه العالمي له ووضعه ضمن المخرجين الكبار ، بعدها كانت تحفته الفنية الأجمل  " طعم الكرز" 1997 الذي نال عنه السعفة الذهبية ، يحكي الفيلم عن رجل ينوي الانتحار ، يقود سيارته التي يكون معظم الفيلم داخلها يقل بها في الطريق أشخاصًا يعرض عليهم المال مقابل مساعدته في الانتحار، سيلقي نفسه بالسيارة في حفرة، لكنه يخشى ألا يموت، مهمة الشخص المساعد تتلخص في أن ينادي عليه بعد أن تسقط السيارة، إن كان حيًّا سيخرجه من الحفرة، وإن كان ميتـًا سيردم عليه التراب. يطرح كيارستومي من خلال هذه الرحلة أسئلتنا الكبيرة حول الحياة والموت والتي تنهزم أمام سؤال صغير جدا يسأله أحد العابرين للبطل "الموتى لا يستطيعون أكل التوت، ألن تفتقد طعم التوت؟" . هكذا هي سنيما كيارستومي التي تدرك معنى الحياة الكامن في أشيائنا الصغيرة جدا ،الصغيرة حد أننا لا نراها .

في آخر أفلامه الطويلة " مثل شخص يحب " 2013 يحكي عن مدرس جامعة متقاعد يؤجر فتاة ليمارس معها الجنس لكنه يجد نفسه متورطا في حياتها الشخصية ومع خطيبها الذي يعتقده جدها ، تسير الحكاية في مسار بسيط ليس به أحداث درامية كبيرة وينتهي بلا نهاية تقريبا تاركًا للمشاهد صناعة حكاية تكميلية ومشاركا اياه تساؤلاته ،غير مهتم بالإبهار أو الاستعراض بالصورة مركزا على الانسان الذي هو موضوعه فقط ، يقول كيارستومي في قصيده له " إذا كان في أعماق المحيط ، نبع ، كيف يمكن أن يكون؟"، يبدو كيارستومي هو نفسه ذلك النبع العذب  داخل محيط السنيما المزخرف بالأحداث والصور ، هو النبع العميق المتدفق  بالحكايات والشخوص العالقة بيننا بلا انتهاء .

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية