الجمعة 30 أكتوبر 2020 م - 13 ربيع الأول 1442 هـ

في ذكرى الثالوث المقدس ..حليم وزكي وبينهما سعاد حسني!

الخميس 31/مارس/2016 - 09:14 م
عصام زكريا
 

ارتبط مصيراهما في الفن والحياة والموت..وارتبط اسميهما في قلوب وذاكرة الناس.كل يوم، تحل ذكرى زعماء وفنانين وعظماء، لكننا لا نتذكر منهم أحدا، لأننا لم نعد نهتم أو نبال، إلا عندما تحل ذكرى عبد الحليم، أو أحمد زكي، في مارس من كل عام...يتذكر الجميع ويهتمون.

لو أجرينا استفتاء حول أكثر المغنيين شعبية في النصف قرن الماضي سيكون بالتأكيد عبد الحليم حافظ، ولو أجرينا استفتاء حول أكثر الممثلين شعبية في تاريخ السينما المصرية فغالبا سيكون أحمد زكي. لكن "الشعبية" كلمة مطاطة وغير علمية ويقصد بها أحيانا معان مختلفة قد تصل إلى حد التناقض.

عبد الحليم ليس الأكثر شعبية لأنه صاحب "أفضل" الأصوات أو "أفضل" الأغاني، فهذه مسائل فنية ونسبية لايتفق عليها مستمعان أو ناقدان، وليس لأن أغانيه تحظى بأعلى أرقام مبيعات أو عدد مرات استماع، فهذه ليست مقياسا للشعبية لأن الناس تسمع أحيانا أغان تكرهها أو تنتقدها بعنف، بالإضافة إلى أنه يصعب الحصول على أرقام صحيحة معبرة.

  أعتقد أن عبد الحليم حافظ هو الأكثر شعبية من ناحية "الاستمرارية"، هذا الحضور على مدار أجيال، ومن ناحية "العواطف" التي تثيرها أغانيه في وجدان مستمعيه، و"التعاطف" الذي تثيره شخصيته لدى معجبيه، والتي تتداخل فيها صورته على الشاشة وعبر الميكروفون بصورته وحياته الشخصية.

أحمد زكي أيضا هو الأكثر شعبية من ناحية هذا "التعاطف" الذي تثيره شخصيته على الشاشة وخارجها.

أحمد زكي ليس بالتأكيد الأكثر مبيعا فيما يتعلق بشباك التذاكر، ولكن من ناحية ثانية لو أحصينا آراء النقاد والمشاهدين حول الممثل "الأفضل" فسوف نجد ما يشبه الاجماع على أن أحمد زكي هو الأفضل، وهو رأي يقره حتى زملاءه من الممثلين.

ارتبط مصير كل من عبد الحليم وأحمد زكي بخيوط مرئية وغير مرئية وبطرق غامضة قلما تحدث في الحياة أو الأفلام.

ولد الإثنان في محافظة واحدة، وفي ظروف صعبة متشابهة، وربط بينهما اليتم، والتنقل في طفولتهما بين بيوت العائلة. وعانى الإثنان في بداية حياتهما الفنية من عدم القبول والاعتراف بموهبتيهما وهيمنة الأجيال الأكبر على الساحة، كما ربط بينهما المرض والموت المبكر، وكان آخر دور لعبه الثاني هو تجسيد حياة الأول في فيلم يحمل اسمه، كما ربط بينهما اسم النجمة سعاد حسني. والثلاثة جمع بينهم موهبتي التمثيل والغناء والحياة والحب على الشاشة وخارجها والموت المبكر وإحساس "المأساة" الذي هيمن على حيوات الثلاثة وربط مصائرهم بخيوط مشتركة...حتى أن ذكرى وفاة الثلاثة تحل في شهر واحد وتفصل بينها أيام قليلة!

كلما جاء شهر مارس، ومنذ أربعين عاما تقريبا، تحيي وسائل الإعلام ذكرى وفاة عبد الحليم حافظ  الذي توفي في 30 مارس 1977 بشكل لا يحدث مع فنان آخر، حيث تحتل صوره أغلفة المجلات الفنية، ويعاد بث أفلامه على القنوات التليفزيونية، وحتى وقت قريب كانت تصدر كل عام تسجيلات نادرة لأغانيه كما لو أنه لم يزل حيا ويبدع.

ومنذ خمسة عشر عاما انضمت ذكرى سعاد حسني، التي انتحرت في ظروف مأساوية وغامضة قبل أيام من ذكرى مولد عبد الحليم في شهر يونيو 2001 ، لتصبح قصة حبهما غير المتحقق سيرة متجددة في ذكراهما.

ومنذ أحد عشر عاما مات أحمد زكي، بعد صراع مع المرض، أثناء قيامه بتصوير فيلم "حليم"، في 27 مارس 2005 أيضا، لتكتمل الدائرة حول الثلاثة.

الملفت فيما يتعلق بعبد الحليم حافظ وأحمد زكي وسعاد حسني هو أن من نطلق عليهم "البسطاء" أو الناس العاديين، غالبية الشعب المصري، المحافظة، التي شربت تحريم الفنون وكراهية الفنانين على مدار عقود، منذ أن سقط مشروع الدولة المدنية الحديثة وتسلل الفكر الوهابي المتطرف إلى عقولهم ... غالبا ما يعلقون كل أفكارهم المتطرفة والمتخلفة حول الفن والفنانين، ويتكلمون بحب وتقدير كبيرين حين تأتي سيرة أحد الثلاثة.

مات عبد الحليم قبل الغزوات الهمجية التي تعرضت لها مصر، أو بالتحديد في بداية هذه الغزوات، ولذلك احتشد الملايين في جنازته التي يمكن مقارنتها بجنازتي عبد الناصر وأم كلثوم.

 سعاد حسني وأحمد زكي ماتا في ذروة الانحدار، حيث سقطت رموز الحضارة من مفكرين وعلماء وفنانين، وسادت رموز المبشرين بعذاب القبور ولاعبي كرة القدم. مع ذلك فإن من حضروا جنازتي الاثنين رأوا بعض المشاهد المؤثرة جدا، لرجال وسيدات "بسطاء" جدا، كانوا يبكون بحرقة ويتكلمون بشغف عن الراحلين.

هذه المشاهد لم تكن تؤكد فحسب على مكانة ومعزة هؤلاء الفنانين في قلوب معجبيهم، ولكن بالأخص كانت تؤكد أن جذوة التحضر وحب الفن لم تخبو تماما في قلوب المصريين، وأنها فقط تختفي تحت ركام من غبار الصحراء.

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية