هيروشيما حُبي .. المدينة وحدة للعالم
في فيلم المخرج الفرنسي آلان رينيه الشهير "هيروشيما حُبي"، والمأخوذ عن رواية لمارجريت دوراس، يبدو أن الحديث في الأصل سوف يكون عن النسيان.
هُنا لدينا مُمثلة فرنسية تصل إلى مدينة هيروشيما اليابانية لتصوير فيلمًا عنها، بعد فجيعة سقوط قنبلة نووية على أرضها خلال الحرب. ومثل أي حرب، لم تعد هيروشيما هي المدينة نفسها التي كانت من قبل، الفيلم في مشاهده الافتتاحية يضعنا أمام اللحظة الآنية بعد سقوط القُنبلة، وهي اللحظة نفسها لوصول المُمثلة بطلة الفيلم المُفترَض إلى المدينة.
تعرضت وجوه الناس للذوبان، تعرضت أجسادهم لتشوهات عنيفة، وجرى للنباتات، وللطبيعة بإثرها تغيرات غريبة وشاذة، لكن ما هو الداعي من وصول البطلة الفرنسية إلى المدينة في هذه اللحظة العنيفة التي يُجبرنا آلان رينيه على رؤيتها بالكامل دون تجميل في شريطه السينمائي؟ ربما أن ما قد حدث في تاريخ هذه البطلة هو شيئًا شبيهًا لما حدث للمدينة.
سوف يكون هُناك شيئًا من الشغف في مشاهد لعناقات حميمة بين جسديّ الممثلة الفرنسية وبين المهندس الياباني، الذي تعقبها وأصبح مأخوذًا تمامًا بحضورها منذ اللحظة الأولى لوصولها، تتأسس علاقة نفسيّة عميقة ومُكثفة بين البطلين، كما هي عادة مارجريت دوراس في رواياتها، علاقة لا تتعلق بإشباع رغبة جنسيّة ابنة اللحظة فقط لكن فيها استدعاءات لتاريخ الذاكرة الخاصّة بكل فرد من الأفراد.
حين تبدأ البطلة في الحكي عن هذا الحُب الألماني الأول في حياتها، فإن الكاميرا أيضًا سوف تحكي بصريًا القصة، وبينما تتوازى مشاهد العلاقة الحالية مع المهندس الياباني ومشاهد العلاقة السابقة مع الضابط الألماني، فإن الفيلم يكون قد استدرجنا إلى منطق التماهي مع البطلة، في هذه العاطفة المُشتركة بين البشر جميعًا، عاطفة الحُب.
لكن علاقة فتاة فرنسية، أعني المُمثلة في صباها، مع ضابط ألماني أثناء الحرب هي علاقة ملعونة، كانت البطلة تنام مع هذا العدو، وهي الآن مرة جديدة تنام مع رجل ياباني مجروح في وطنه، رجل متزوج لن تراه مرة أخرى، هي تعرف تمامًا أنها سوف تنساه، أنها لن تعود إلى هيروشيما مرة أخرى، بينما البطل الياباني يظل مأخوذًا في البحث عن أمل للمدينة التي تشوهت ملامحها، ليست المدينة فقط إنما البطلة الفرنسية أيضًا بمستوى ما.

فيما ينتمي المُهندس الياباني للأرض، أعني أرضه اليابانية، فإنه يظهر أن البطلة الفرنسية قد ارتكبت خطأ ما سابق في حق انتمائها لوطنها ، وهي عمومًا قد دفعت الثمن، حين قُتل حبيبها الألماني، حين حُرمت من حُريتها لوقت طويل، عقابًا على هذا الحُب، لكنها ربما تلقت الجائزة أيضًا، فهذا الألم هو الذي جرّها إلى طريق التمثيل، مرّة أخرى يصبح الكلام عن الألم والجوائز التي تعقبه حديثًا مُشتركًا وواحدًا بين المُتلقي وصانع العمل.
بالطبع هذا ليس كل شيء، ثمة مشاهد طويلة لليل هيروشيما الصامت أكثر مما يجب، وهذا التيه الذي تعيشه البطلة المكلومة في روحها لم تزل حين تهيم على وجهها في شوارع المدنية الفارغة، إنها تواصل الهرب من المُهندس الياباني، الذي قد لمس كل هذا التاريخ النفسيّ لها قبل حتى أن تتحدث عنه، وكما يحدث عادة في روايات مارجريت دوراس، فإنهما يدخلان في حوارات وجودية وذاتية غنية بالتفاصيل في أماكن عديدة من المدينة، وفي خلفية الحوار معرفة صريحة عن قُرب موعد الفراق.
إن مُخلفات هذه الحرب هي شأن عالمي إنساني، فالحرب مُعطى ثابت في وجود هذه الحياة منذ العصر البدائي وحتى هذا العصر التكنولوجي المجنون، العالم لم يستغنى عن الحرب أبدًا، لكنه كبديل اخترع دواءً مُرّا للروح ضد الحرب اسمه النسيان، يبدو أن الكرة الأرضية تنسى الألم الناتج عن الحرب، الفقد المُتكرر والموت، وربما هي أحيانًا تنسى أنها نسيته كما تقول دوراس نفسها، هكذا تكون المشاهد الختامية في الفيلم عبارة عن خطاب طويل من قبل الممثلة موجهًا إلى حبيبها الحالي حول النسيان، إنها تقول له إنها سوف تنساه كما أنها نسيت من قبل حبيبها الألماني، أن تنسى لا يعني أنها قد محت الألم، إنما يعني أنها أزاحته، واستمرت، كما لو أن النسيان هو الشفاء الوحيد والنسبيّ للكون.