السبت 17 أبريل 2021 م - 05 رمضان 1442 هـ

الاقتصاد و السنيما .. علاقات متشابكة

الأربعاء 25/فبراير/2015 - 02:08 م
هدى عمران
 

طوال الوقت يتشابك الاقتصاد و السياسة مع اتجاهات الثقافة و منظومة القيم  في كل المجتمعات ،و السنيما باعتبارها احدى هذه  المنتجات الثقافية فإنها تخضع لهذا التشابك باستمرار،  و تظهر انعكاسات هذا التشابك بين الاقتصاد و السياسة من جهة و بين السنيما من جهة أخرى  بشكل أوضح في مجتمعاتنا العربية التي تخضع بصورة دائمة الى الرقابة سواء من السلطة السياسية أو تحكم رأس المال فيها  .


البدايات

في الثلاثينات تخطت  صناعة السنيما فترة التجارب و أفلام الهواة،  لتجتذب هذه الصناعة الحديثة رجال الأعمال الصغار و الأجانب بالتحديد ، و قد كان الدور الأكبر في هذه الصناعة لشركات تسجيل الأسطوانات التي استغلت السنيما في دعم ظهور أفلام لمطربيها، بالذات أفلام الموسيقار محمد عبد الوهاب التي كانت تطبع وتحمض وتسجل أغانيها في فرنسا .

كان  الازدهار الاقتصادي للسينما يعتمد بالأساس على كونها منتج اقليمي يتم الترويج له في كل البلدان العربية و من ثم تحقيق أرباح كبيرة ، و قد ساعد هذا بدوره على  ظهور كيانات اقتصادية في تلك الصناعة تمثلت في نظام الأستوديو مع قيام أستوديو مصر عام 1935 الذي أنشأه طلعت حرب و لعب دورا كبيرا في صناعة السنيما ،و استوديو رمسيس الذي أنشأه الفنان يوسف وهبي ، و شركات انتاجية مثل شركات عزيزة أمير و محمود ذو الفقار ، و شركة آسيا ،  شركة ماري كويني و زوجها المخرج احمد جلال و غيرهم .

و تظهر هذه الفترة أن صناعة السنيما اعتمدت بالأساس على محاولات فردية قد تكون كبيرة لكنها فردية غير مدعومة من الدولة و كان هدفها الأساسي هو الربح المادي .



ثورة يوليو و اتجاه جديد

لكن الحال اختلف بعد قيام ثورة يوليو ، فالحقيقة أن الثورة حملت مشروعا تنويريا حاولت نشره بكل الطرق و كانت السنيما احدى وسائلها لنشر مشروعها الفكري و الأيديولوجي  ، و سواء اتفقت مع هذا المشروع  أو اختلفت معه فإن توجه الثورة كان سبب كبير لازدهار السنيما و انتقالها الى مرحلة نضج جديدة .

الثورة الجديدة كانت تعي تماما ً أنها تحتاج لترويج مشروعها السياسي ، و كانت السنيما احدى الوسائل الفعالة جدا لهذا الهدف ، دخلت الدولة في صناعة السنيما بشكل أساسي في هذه الفترة و خلقت ما أطلق عليه " سنيما القطاع العام " ، و أسست سنيمات " الدرجة الثالثة " في كل مراكز و قرى مصر تقريبا ً ،  و تأسس القطاع العام السينمائي في مصر عام   1963  ، و  تكون من عدة شركات، كل يكمل الآخر، وهي:

 الشركة المصرية العامة للإنتاج السينمائي العربي "فيلمنتاج".

- الشركة المصرية العامة للأستوديوهات .

- الشركة المصرية العامة للتوزيع .

- الشركة المصرية العامة لدور العرض .

- "كوبرا فيلم"، وهي شركة مختصة بالإنتاج المشترك بين مصر والبلدان الأجنبية.

تطلب دخول الدولة في صناعة السنيما  الى التحول في الموضوعات التي تناقشها الأفلام ، و الدخول الى مجتمع الريف و الفئات المهمشة والفقراء  و أصبح  الفلاح و العامل أبطال أساسيين داخل افلام هذه الفترة ، مثل فيلم الحرام و يوميات نائب في الأرياف ، و تطرقت السنيما لمناقشة قضايا حرية المرأة و عملها و مساواتها مع الرجل من خلال أفلام مثل " انا حرة " و " الباب المفتوح " و فيلم " العيب " ، و أغلب الأفلام هذه الفترة كانت تركز على المقارنة بين أوضاع مصر الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية قبل و بعد الثورة لإبراز نجاح المشروع السياسي لها .

و كان الدافع الأكبر لإزدهار السنيما في هذا التوقيت أن الدولة لم تكن لديها نفس مقاييس الربح والخسارة التي كانت عند المنتج الخاص الذي كان يفكر في مشتري التذاكر ، و ذلك كله على الرغم من الرقابة السياسية التي كانت تفرض على موضوعات الأفلام و التي لم تكن تسمح بأي موضوع سنيمائي يشتبك أو ينتقد السلطة في هذا التوقيت .

بداية الانحسار

بعد نكسة  1967 تقلص إنتاج الدولة السنيمائي إلي أن مات مع إلغاء القطاع العام وانحسر الإنتاج الخاص لتقلص السوق مع زيادة الإنفاق على المجهود الحربي.

رغم الانتعاش النسبي  الذي شهدته  فترة الانفتاح الاقتصادي في السينما و ذلك  بسبب إقدام الموزعين اللبنانيين على الفيلم المصري بقوة أكبر بعد فتح أسواق الخليج أمام الفيلم المصري ، الا أن هذا الانتعاش في الانتاج صاحبه بداية لإنتشار الأفلام التجارية و أفلام التسلية .

ووفقا لتقرير الثقافة والفنون والآداب، السينما في مصر: واقعها ومستقبلها، 79/80″، مأخوذ عن “صناعة السينما في مصر بين الوضع الراهن ودور الدولة والقطاع الخاص وضرورات التطوير”، “التقرير الاستراتيجي العربي”، ص 306)، فإن حالة اقتصاديات الإنتاج السينمائي في سنوات منتصف السبعينات كانت على النحو المبين

السنة     الأفلام المنتجة   الأرباح

1974  42        5%

1975  52      8.9%

1976  49     7%

1977  51       7.2%

1978  51       12.5


ازدهار الصناعة مرة أخرى

ثم تراجعت أرباح السينما المصرية وحجم إنتاجها في السنوات الخمسة التي تلت 1978 لأسباب سياسية أهمها مقاطعة الدول العربية بعد معاهدة السلام مع اسرائيل التي أدت إلى غلق الأسواق العربية أمام السلع المصرية ومنها بالطبع الفيلم مصري. لكن مع تغير النظام السياسي بعد مقتل السادات عادت السينما المصرية من جديد للازدهار والنمو كما يوضح الجدول التالي

 

السنة     عدد الأفلام

1983  51

1984  63

1985  76

1986  96

1987  70

1988  82

1989  91

1990  77

1991  56

1992  66

يرجع هذا الرواج في معظمه إلي سببين، أولهما انتشار ظاهرة عرض أفلام الفيديو في مصر وخارجها، بالذات في الدول العربية، وهو ما أدى إلى جعل سوق الفيديو أحد أهم منافذ تسويق السينما المصرية. وقد أنتج ذلك ظاهرة سينما المقاولات، وهي الأفلام التي صُنعت خصيصا للعرض على شرائط الفيديو، ويكون عرضها في دور العرض نوع من البقشيش للمنتج. وهي تتميز بكونها منخفضة التكاليف، وكوميدية في معظمها، و ممثلين درجة ثانية .

و كان سبب رئيسي أيضا ً في ازدهار أن تلك الفترة كانت بداية اهتمام رأس المال العربي بالاستثمار في مجال السينما المصرية، وإن أخذ شكل الإنتاج الفردي، مع قدوم المنتج حسين القلا إلي مصر بحجم ضخم من الأموال ساهم في إنتاج العديد من أفلام الثمانينات، بالذات تلك التي عرفت باسم الموجة الثانية من واقعية السينما المصرية ، أو السنيما المستقلة وضمت مخرجين كبار أمثال عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة وداوود عبد السيد وغيرهم ، و هذه الفترة تحتاج الى تناول منفرد في موضوع مستقل  .

تقييم الموضوع

تعليقات Facebook


تعليقات البوابة الوثائقية